فخر الدين الرازي

171

المطالب العالية من العلم الإلهي

أن يقال الجسم وإن كان ممكنا لذاته ، إلا أنه يجب لوجوب جزئه ، وهو الهيولي والصورة ؟ أجاب الحكماء عنه : بأنه ثبت الدليل بأنه يمتنع خلو الهيولي عن الصورة ، ويمتنع خلو الصورة عن الهيولي ، فيثبت كونهما متلازمين « 1 » ، فنقول : هذا التلازم ، إما أن يكون بين ماهيتهما كما في المضافين أو بين وجوديهما . والأول باطل ، وإلا لامتنع أن نعقل أحدهما مع الذهول عن الآخر ، فكان يجب أن يفتقر في إثبات تلازمهما إلى برهان منفصل ولما بطل هذا ، ثبت أنهما متلازمين في الوجود ، ثم نقول يستحيل كون الهيولى علة للصورة ، لأن الهيولى من حيث هي هي قابلة للصورة ، فلو كانت مؤثرة فيها ، لكان الشيء الواحد قابلا وفاعلا معا ، وهو محال ، ويستحيل كون الصورة علة للهيولي ، لأن الصورة حالة في الهيولى ، فتكون مفتقرة إليها ، والمفتقر إلى الشيء ، يمتنع كونه علة لوجوده ، فثبت أنه لا الهيولى علة لوجود الصورة ، ولا الصورة علة لوجود الهيولى ، وقد ثبت كونهما متلازمين في الوجود ( وكل شيئين متلازمين في الوجود ) « 2 » لا في الماهية ولا يكون أحدهما علة للآخر ، فلا بد وأن يكونا معلولي علة واحدة ، إذ لو لم يكن كذلك لكان كل واحد منهما غنيا عن صاحبه ، وعن كل ما يفتقر إليه صاحبه « 3 » وذلك يمنع من القول ( بثبوت الملازمة ) « 4 » فثبت أن الهيولى والصورة معلولا علة منفصلة ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته ، فثبت أن الجسم كما أنه ممكن الوجود بحسب تمام ماهيته ، فهو أيضا ممكن الوجود بحسب كل جزء من أجزاء ماهيته ( وذا تمام الكلام في هذا الدليل ) « 5 » . والاعتراض عليه : أن يقال : أما القول بأن الجسم مركب من الهيولى والصورة ، فقد سبق البحث فيه . ( سلمنا ذلك ، لكن لا نسلم كون الهيولى

--> ( 1 ) كونها متلازمة ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) خاصيته ( ز ) . ( 4 ) من ( س ) . ( 5 ) من ( ز ) .